أمواج ورمال
أمواج رومال - رواية تحرض على الحرية
![]() |
| أمواج ورمال - رواية - سعيد رمضان علي |
في رواية أمواج ورمال للكاتب والروائي الأستاذ سعيد رمضان علي
يحاول الكاتب الإيحاء بالحرية والتحريض عليها، ويحاول استنهاض الناس للدفاع عنها، فمن وجهة نظر الكاتب المقاومة ليست سوى فعل إنساني هدفه الحرية، ليس ضد الاحتلال فقط، بل كل ما هو مقيد وقاهر، ومحطم للإرادة.
تجري أحداث الرواية في نكسة 1967 وتحديدا في الشهور الأولى منها، لكن مع تكثيف الأحداث عمل الروائي على الاتساع في تناول التطور النفسي لشخوص الرواية، وحياتهم الداخلية ومشاعرهم الدفينة.
التنقلات بين مشاهد الفكر ومشاهد الأفعال ظاهرة.. فمع الفعل الثوري للمقاومة، تقابله حالة من الهدوء والانسجام والتمعن في الحياة والكون، وهذه إحدى الميزات المهمة التي حاول الكاتب التركيز عليها في روايته.
في الرواية حوالي ستة عشر شخصية، تعيش هذه الشخصيات عالمًا واقعيًا، وخو عالم سيناء في الشهور الأولى من احتلالها عام 1967، وتدور الأحداث على رمالها بين رجال المقاولة التي تقاوم المحتل.
الرواية ليست رواية تؤرخ لتاريخ .. لذا فلا فائدة من البحث فيها عن المادة التاريخية الموثقة بقدر ما يفيد البحث عن قيم الجمال والحرية واستحضار ذلك الفعل البطولي، وتلك الوحدة الخلاقة المرتكزة على جوهر الإنسانية
الرواية رواية أدبية تتناول مشاعر ومواقف رجال ونساء .. ضمن إطار استحضره الكاتب للتأكيد على النبل الإنساني وكراهية الحرب والوحشية ..
ومن أجواء الرواية فصل بعنوان "فاطمة":
عندما استيقظ عمرو سمع أصواتًا في صحن الدار، ميز من بينهما صوت فاطمة، أخذ فترة يصغي ليتأكد، ثم نهض مسرعًا وكاد يخرج بسرواله وفانلته، لكنه تدارك الأمر وارتدى جلبابه الأبيض وتمنطق بالحزام، وضع غطاء الرأس تاركًا أطرافه تتدلى على كتفيه، فوق الغطاء وضع العقال وخرج.
اكتسح صحن الدار بنظرة سريعة حتى رأى فاطمة وأمها تجلسان مع أمه تحت العريشة، تلكأ عمرو قليلاً ثم تقدم، بينما توقف لسانه..
فسألته أمه: مالك صامتًا؟.. ألا تسلم؟
تمتم بصوت أجش لكنه خافت بالسلام، بينما أطرقت فاطمة وتشاغلت باللعب بأعواد الشجر الجاف، وبدأت ترسم خطوطًامتعرجة على الرمال، عاود الصمت عمروًا، ثم سأل عن أبيه.. ردت أمه:
- خرج مبكرًا وسيحضر في المساء.
استطردت وهي تنهض متجهة لزاوية المطبخ بحوش البيت:
- سأحضر لك إفطارًا
رافقتها والدة فاطمة قائلة:
- سأساعدك.
بعد ابتعادهما وجلوسهما في زاوية صحن الدار قال عمرو لفاطمة:
- عجيب أنني لم أعرفك من قبل.
نظرت إليه فاطمة صامتة، ثم عادت لتطرق وتنشغل بأعواد الحطب.
تأملها عمرو، شعرها الأسود المضفر، معلق به بعض الأشرطة المزينة بالخرز، بينما يتدلى من صدرها عقد صنع من حبات الكهرمان والمرجان، يغطي رأسها وكتفيها وشاح أسود خفيف، مطرز في أطرافه بشكل بسيط، ومن تحت الوشاح ثوب أسود مضموم عند الخصر بحزام الشد، مصنوع من الصوف الملون، أما وجهها فهو دقيق القسمات، وجه يفيض بالعذوبة، وعندما يسقط الضوء على سمرتها، تتلألأ بحمرة كحمرة الشفق. وبؤبؤا عيناها يبدوان كلؤلؤ أسود يتوهج في بياض العينين.
تأمل يديها وهي تلعب في الرمال، لاحظ بعض الوشم على ظاهر اليد.
قال بصوت مضطرب: إنه وشم جميل.
توقفت يد فاطمة ثم سحبت بهدوء وتوقفت عن اللعب.
سألها: أين كنت تعيشين؟
ردت بخفوت:
- عشت بمشارف رفح من ناحية غزة.
توقفت لحظة وغشيت عينيها سحابة.. استطردت بأسى:
- لقد دمرت بيوتنا.
كاد يحمد الله لقيام الحرب، لكنه تذكر حديث زيد فشعر بالخجل، ساد صمت وهو يـتأملها..
ثم قال: وأبوك؟
ردت: مات!
شعر بالأسف.. لكنه سأل:
- كيف مات؟
- قتل.
عاود عمروًا حديثُ زيد وشعر بالرجفة..
- وبعد أن قتـ.. مات؟
فاطمة: آه.. إنك تحب أن تثير شجوني..! ألست قاسيًا؟
عمرو: أقسوةٌ رغبتي في معرفة كل شيء عنك!!؟
- لـِـم؟
ارتبك عمرو.. وبحث جاهدًا عن الكلمات التي سيقولها، لكن الحروف هربت منه، وها هو لا يجد سوى مساحة بيضاء شاسعة بدون حروف وبدون نهاية..
كررت فاطمة سؤالها وهي تبتسم..
فقال مرتبكًا: - لأنك.... جميلة
أطرقت وقالت: أتقول صدقًا؟
شعر بالخجل.. ثم قال باضطراب:
- لقد كنت أفكر فيك طول الأيام الماضية.. وقلت لنفسي كيف ترسم خطة لترى فاطمة مرة أخرى.. لكن عقلي المضطرب لم يجد سوى الاضطراب.. وها أنت هنا الآن.. أراك وأتحدث معك بدون خطة!
فاطمة: لــم كنت تريد أن تراني؟
رد بعاطفة مشبوبة وهو يسمع ضربات قلبه:
- لا أعلم.. أحب أن أراك.. ربما.. ربما أحبك.
أطرقت فاطمة حياء.. حاولت أن تتشاغل بشيء.. فجذبت وشاحها ليغطي جزءًا من وجهها، ثم لعبت بأصابع مضطربة في الرمال.
اندفع مستأنفًا بحرارة:
- إنه حب صادق.. فلا تمنعيني من دخول قلبك.
فاطمة: لا أدري..!
عمرو: أتريدين إصابتي بالجنون بتعذيبك هذا؟ آه.. إنك لا تصدقيني وتظنين أنني أتكلم بوحي من التسلية وليس من الحب..!
فاطمة: إني واثقة من ذلك.. وإني أرتجف خوفًا من أن أصدقك، هناك بنات جميلات في عشيرتك و كثيرات منهن أجمل مني
فلم تأتي وتسخر منى..؟
قال: أسخر منك؟! لم تتكلمين بهذه القسوة عني وعنك؟ أراك جميلة فتقولين إن هناك أجمل منك.. وأقول أحبك فتظنيني أسخر منك.. أليست هذه قسوة؟ ليكن.. سوف أتحمل قسوتك.. فأنا أعرف أنها تصدر عن روح طيبة وليست شريرة.. هذا عجيب.. إن لساني ينطلق بكلام لم يسبق لي معرفته.. ولعله وقع الحب على نفسي.. فأرى المحبوب جميلاً وتنطق نفسي بما لا أعرفه
سألت: أتعني أنك تراني جميلة لأنك تحبني لكني لست جميلة فعلاً؟
رد باضطراب: صبرًا.. صبرًا.. لا أقصد هذا.. أعني.. لا..
جفف عرقه وعادت الحروف لتهرب منه..
فاطمة: اضطرابك يقول لي إنك تقصده.. وأخشى أن تنفر مني فيما بعد.. فتراني قبيحة وبليدة..
باستغراب سأل: أنا؟
فاطمة: نعم أنت؟ قيل لي إن الرجال هكذا.. يحملون القسوة في قلوبهم، يبتسمون ويحنون، ومع أول إشارة من الشيطان تغلظ قلوبهم، وتنطلق ضحكاتهم الساخرة، فتتحول سعادة المرأة إلى شقاء.
عمرو ينظر إليها كأنه يراها لأول مرة.. حاول أن يتكلم لكن الارتباك ساده فغمغم بكلام غير مفهوم.. بينما استطردت فاطمة:
- طبعًا لا أصدق كل ما يقال.. ربما يصدق ذلك عن رجال لا أعرفهم لكن ليس أبى.. لم يجعل أمي تعيش في بؤس أبدًا.
عمرو يشرق وجهه: وهل تريني قادرًا على أذيتك و أنا أحبك كما أنت..!!؟ كل ما أريده أن أكون بقربك دائمًا.
تجهم وجهها وتغير لونه.. وعندما سألها عما بها ردت باقتضاب:
- كنت أفكر في الدنيا.. في لحرب.. إنها تخطف الأحباب
عادت أمه حاملة صينية الطعام، تبعتها والدة فاطمة بإبريق الماء..
جلس عمرو يتناول إفطاره، وهو يختلس النظر إلى فاطمة، وخيل إليه أنه يرى سعادة غامضة ترتسم على محياها.
* * * * *


تعليقات
إرسال تعليق