أساطير الليبرالية

أساطير الليبرالية


أساطير الليبرالية - دراسة - سيد أحمد سعد
أساطير الليبرالية - دراسة - سيد أحمد سعد

"أساطير الليبرالية " مناقشة الحقبة الليبرالية العالمية من تصورتها الميثولوجية اتجاه الفرد والشعوب



في كتاب "أساطير الليبرالية" لسيد أحمد سعد محاولة لبحث الظاهرة الليبرالية العالمية وانعكاسها على الفرد والشعوب من خلال الاقتصاد والسياسة والفلسفة والفن، يناقش المؤلف الولادات الأولى لليبرالية منذ سنوات الانهيارات الكبرى ــ السوفيتية، الشرق أوربية، وعلو النبرة المبشرة بنهاية التاريخ وانتصار الليبرالية الرأسمالية وبروز صوت كصوت "فوكوياما" الأمريكي من أصل ياباني بكتابه "نهاية التاريخ والإنسان الجديد" الذي روجت له المنضمات الإعلامية الأمريكية حتى أصبح الكتاب إنجيل الليبرالية الرأسمالية في نسختها الجديدة بعد عصر الانهيارات وما استخلصته كنبوءة قطعية بنهاية كل أشكال الصراع ونهاية الأيدولوجيا.

ومن داخل الكتاب



   لم يسبق في عصرنا الحديث أن جرى الترويج لانتصار نهائى لفكرة من نوع مثلما حدث في العقد ونصف العقد الماضين لفكرة" الليبرالية". 

   فحتى مفهوم "الحداثة" أو" العصرنة " نفسه كان دائما يصطدم بعقابات هائلة وهو يعيد باستمرار التأسيس ل" منظومته الشاملة " ليواجه بها اشكاليات الواقع وتعقيداته وتحدياته.. إن ذلك الاصطدام كان واردا دائما حتى في أوج قوة المد التى أحدثتها عملية التغير الشامل في كل مناحى الحياة عقب الثورة العلمية والصناعية وعلى مدى قرون عدة. فالمحاولات الدؤوب التى كانت ولا زالت تبذل للتشكيك في مدى ملائمة هذا المفهوم للتعبير عن " جوهر الحياة الانسانية " وعن طبيعتها كانت أيضا نقيضا بصورة أو بأخرى للمشروع الحضارى الذى يتأسس على هذا المفهوم وينبنى عليه فكرة التطور أيضا – وهى فكرة تملك قدرا من الاستقلالية النسبية عن فكرة الحداثة – واجهت هى أيضا تباينا واضحا في المواقف إزائها وفي حقول معرفيه وعلميه ونظرية شتى...في الفلسفة، وفي الفكر السياسى وفي العلوم الطبيعية.. الخ..والهام في هذا السياق هو أنه على الرغم من كون مفهومى الحداثة والتطور يشكلان محورين أساسيين يرتكز عليهما " الفكر الرأسمإلى الغربى المعاصر " في حركته ونموه إلا أن إرتباطه بهما اشترط دائما قدرة لمنظومة هذا الفكر على المداورة والتبرير والتوظيف اللحظى لكل ما تنتجه ملابسات التغير في الواقع السياسى وحركة التطور العلمى والمعرفي.

    وفي حقيقة الأمر فإن مناوئة مشروع الحداثة لم تكن مجرد موقف دفعت به تلك الأوضاع والنمنظومات الثقافية والفكرة التقليدية والقروسطية التى تثقل كاهل هذه البقعة من العالم بل جاءت وفي أحيان كثيرة كصورة لـ " تمدن ينقلب على ذاته " داخل مجتمعات قطعت شوطا كبيرا في المضى قدما للتحولات الحداثية.

    الليبرالية تلك والتي كانت تبدو وحتى وقت جد قريب ولفترة امتدت منذ بدايات العقد الخمسين من القرن المنصرم، منزوية منسية في أحد أركان العقل السياسي للرأسمالية الغربية، تجرى اليوم وعلى نطاق لم يشهد نظيرله من قبل محاولة ليس فقط لتمريرها والقفز بها فوق إشكاليات الواقع وتناقضانه، بل وكذلك لتقديمها بوصفها حلا نهائيا و" خلاصيا " لكل تلك الإشكاليات والناقضات.

    فمنذ الأزمة التي عصفت بالاقتصاد الرأسمإلى في ثلاثينيات القرن الماضي دخلت الليبرالية ( بشقيها الاقتصادى والسياسى ) مرحلة تقهقر جعلت الكير من المفكرين البرجوازيين أنفسهم لايتشككون فقط في قدرتها على التصدى لأزمات الرأسمالية، بل وكذلك في قدرتها على البقاء والاستمرارية. فالكينزية التى طرحت نفسها وبقوة كبديل عن الليبرالية الاقتصادية والكلاسيكية لم تكن مجرد وصفة اقتصادية تقنية لتجاوز أزمة نظام مإلى متعثر بقدر ماكانت برنامجا مغايرا لنهج اخر داخل نفس البنية_ نفس النظام. لقد إنصب جهد هذا البرنامج على محاولة إنقاذ نظام إقتصادى – إجتماعى بدأ وكأنه مشرف على الهلاك.... وحسب الكينزية فالدولة لم تعد حينئذ ذلك العدو المتربص بالفرد ؛ بحقوقه السياسية و " ممتلكاته " و" مبادراته " بل أضحت شيئا مختلفا تماما... أضحت ذلك الراعى الذى يملك قوة خارقة ولازمنية قادرة على محو التناقضات دفعة واحدة.

    إنها دولة الرعاية الاجتماعية ذلك المزيج الفريد من نوعه من دور الدولة المقدس.. تلك الدولة التى تنتج التاريخ لا العكس،... وبين الفابية والكينزية ،.. ولا يجد المرء شططا أو غلوا في التأكيد على أن هذا المزيج الفريد لم يكن لينأى بنفسه عن تأثير فكرة الدولة المثالية لدى القوميين الراديكاليين في أوربا. لقد وفرت " الكينزية " في تضافرها مع نسيج فكرى متنوع وبفعل مدارس إصلاحية – رأسمالية عدة فرصة لتنمو الرأسمالية كنظام إقتصادى وكنمط حياه دون أن تؤدى تناقضانها الداخلية، وعوائق نموها إلى الاصطدام مع المتغيرات التى أفرزتها ظروف ابعد الحرب العالمية الثانية لاحقا.

    وإذا ما كانت الكينزية قد مثلت البديل الإقتصادى لليبرالية داخل النظام الرأسمإلى نفسه فإن الأمر على الصعيد السياسى نجده اكثر تعقيدا وتنوعا... فالبديل الأكثر نفعا من كل البدائل، والذى يسفر تماما عن الطبيعة العنفية للدولة البرجوازية بل ويمثل اقصى تجسيد لعنف " الدولة الحديثة " في صورتها المطلقة – بما في ذلك الأشكال الجنينيةالسابقة على الدولة البرجوازية أو الأشكال المجاورة لها – برز مواكبا لأزمة الثلاثينيات الاقتصادية ومواجها في نفس الوقت للمد الجماهيرى الذى شهد تناميا له مع تجدد انحدار مستويات معيشة الطبقات الأفقر كنتيجة مباشرة للأزمة " وكضرورة " لجأت إليها الطبقات السائدة ومنفذة لمقاومة التخلي عن جزء ولو ضئيل من امتيازاتها.. ليس فقط امتيازاتها الاقتصادية بل وكذلك هيمنتها الكاملة على جسم السلطة السياسية. هذا البديل وهو الفاشية لم يكن في حقيقة الأمر " حالة " تعبر عن بلدان أقل تصنيعا وتطورا كأسبانيا أو بعض بلدان أوربا الشرقية.. بل وكذلك – وبصورة أكثر وضوحا – عن وضع تأزمي عانت منه بلدان " كألمانيا وإيطاليا".. وهى وإن كان قد شهدنا نموًا اقتصاديًا وتطورًا أقل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فهما على أية حال لايمكن إعتبارهما وبمقايس تلك الفترة الزمنية بلدين غير متطورين... البديل الفاشى هذا إنتقل بالبرجوازية إلى مرحلة جديدة أصبحت معها وكأنها تشعر بالتحرر من ثقل جزء هام من تراثها السياسى والفكرى، وهو الجزء الأكثر إرتباطا بعملية التطور الديمقراطى التى كانت قد إكتسبت زخما قويا عبر مراحل من الصعود والهبوط منذ قيام الثورة الفرنسية عام 1989 م ومرورا بثورات عام 1840 م التى إجتاحت عدداً كبيراً من بلدان أبوربا.

    وإذا ماكان هذا البديل قد لقى مقاومة عنيفة من غالب الأنظمة البربجوازية في الغرب فقد ترك أثراً واضحاً على تلك الأنظمة وبصور وأشكال مختلفة.. ومما بجدر ذكره في هذا السياق أن تلك المقاومة لم تنشأ بحال بسبب طبيعة السلطة السياسية البالغة العنف لهذا البديل ولا بسبب طابعه الأيديولوجى الدوجمائي والاستبعادى، بل نشأت بفعل عامل واحد هو نمو نزعته العدوانية تجاه جيرانه وطموحاته الشرهة تجاه غنائمهم الاستعمارية.

    لقد تعلمت البرجوازية درسا خاصاً لمسلكيتها السياسية من خلال صعود الفاشية وتراجعها ( أو لنقل إندحارها ) وهو إن التلويح بالقبضة الحديدية أو إشهارها بالفعل أمام حركة المد الديمقراطي الجماهيرية يمكنها أن تطيل من عمر نظامها لإجتماعى لاسيما إذا ما ترافق هذا الاشهار باستفادة من تناقضات حركة المد الديمقراطي إستفادة قصوى وإذا ما صاحب ذلك أيضاً إستفادة موازية من الأوضاع الجيوسياسية إقليميا ودوليا... لقد ظهر هذا الأمر واضحا جلياً في الدور الذى لعبته الولايات المتحدة الأمريكية في تنصيب أنظمة فاشية أو عسكرية شبه فاشية في أمريكا اللآتنية على وجه التخصيص وفي العالم الثالث عموما..، فهذا الدور لم يكن منوطاً يه فقط حماية المصالح الخاصة للولايات المتحدة كقوة عظمى بل تخطى دائا ذلك إلى كونه دورا أبوياً لتوجيه الأوليجارشيات المحلية سياسيا لا سيما في فترة تنامى المد التقدمى.

    بطبيعة الحال فإن بدائل الليبرالية لم تقتصر على إبراز الوجه الأكثر عنفا لسلطة رأس المال، فالعقل السياسى البرجوازى كان قد إستوعب وإلى حد كبير نحو التغيرات التى بدأت مع ثورة أكتوبر 1917 م في روسيا، مرورا بظهور" المعسكر الإشتراكى " عقب نهاية الحرب الثانية ونزوع القسم الأهم من حركات التحرر الوطنى لتأسيس مواقف من قضية الديموقراطية تختلف وبدرجات متفاوتة عن الأسس اللبرالية البرجوازية لها... فالحديث عن ديموقراطية ترتكز في الأساس على عنصر المشاركة الشعبية وإعطائه أولوية على عنصرى التعددية والتداول لم يكن حديثا خاصاً بتلك الأنظمة التى ظهرت في العالم وإتخذت موقفا مناهضا لمنهج التطور الرأسمإلى ككوبا وفيتنام كمثالين فحسب..، ولا بتلك الأنظمة التى إرتبطت عضوياً بحركات التحرر الوطنى وحاولت أن تضع قضية " العدالة الإجتماعية " فى أولويات برامجها السياسية حتى دون أن تنفصل عن المننظومة الرأسمالية وبصرف النظر عن الشعارات التى رفعتها...، بل تعدى ذلك إلى قسم هام من مؤسسات النظم السياسية في الغرب نفسه.

    فحزب العمال البريطانى وجزء من الأحزاب " الإشتراكية الديموقراطية " ركزت في خطابها السياسى في بعض الفترات على ضرورةإبراز " الطابع المساواتى " للسلطة في الديموقراطية البرجوازية.. غير أنه لم يطرأ تغير حقيقى بطبيعة الحال لا على " المكونات الأساسية " للسلطة ولا على " آلياتها " لمجرد بروز مثل هذا الخطاب، ولكن الذى حدث هو أن نزوع أدبيات الإشتراكية الديموقراطية الجديد – القديم هذا ساهم مؤقتا في توارى " اللبرالية" كملمح أساسى للأيديولجيا والنظام السياسى البرجوازيين.


    إذا ما كان النموذج الأمريكى فقد مثل حالة أكثر تعقيدا في علاقته بالليبرالية... فمنظمة الثقافة السياسية الرسمية وأيديولجيا المؤسسة الحاكمة كانت قد إجتاز
ت البراجماتية ليس فقط كمنهج فكرى يلعب دور المقايسة في تحديد طبيعة التوازنات السياسية بين مختلف الطبقات – الفئات – القطاعات في المجتمع الأمريكى بل وكنمط حياة يختزل كل الأنماط المغايرة أو يهمشها.

* * * * * *

أساطير الليبرالية - دراسة - سيد أحمد سعد
احصل على نسختك الآن


ستصلك إلى باب منزلك والدفع عند الاستلام

مع تمنياتنا لكم بقراءة ممتعة


تعليقات