حدث ذات مرة في دبي
حدث ذات مرة في دبي - الطبعة الثالثة
محمد سليمان الفكي
![]() |
| حدث ذات مرة في دبي - الطبعة الثالثة - محمد سليمان الفكي |
حدث ذات مرة في دبي - الطبعة الثالثة
في رواية حدث ذات مرة في دبي للروائي المبدع محمد سليمان الفكي التي تدور أحداثها في 386 صفحة عن عراقي كان يعمل مترجمًا في دبي، وكان
يتعرف على عاهرات في دبي، ويحدث أن تربطه علاقة بإيرانية تدعى "نيروز"
والتي التقاها بالصدفة في حانة من حانات دبي وكانت هي على موعد مع أمريكي من
المقيمين في الإمارات، وتطورت العلاقة بينهما فوصل به الحال أنه قتلها من فرط
غيرته عليها.
صدرت الطبعة الأولى والثانية من هذه الرواية بدار آدم للنشر والصحافة
بباريس.
ومن المعروف عن الكاتب محمد سليمان الفكي أن يمزج في كتابته بين الشعر
الإنجليزي في القرن التاسع عشر بتفاصيل تحمل سمات العصر وتقاليد أهله.
وهذا جزء من أجواء الرواية
أطفآ المصباح، أغلقا الباب، وأسرعا يحتميان بجوف السيارة الهمر السوداء. كانا يضحكان مثل طفليين. جلست مليسا وراء عجلة القيادة، وجلس هو الى جانبها. ادارت المحرك وضغط هو على جهاز التسجيل فانطلقت موسيقى شوبيرت. كان الصوت عاليا، وقطرات المطر مع الاضاءة الليلية جعلت الأشياء تبدو وكانها من عالم الخيال. وانطلقا من الجميرا صوب شارع الشيخ زايد. كانت الشوارع شبه خالية والمطر تحول الى برك عميقة غطت الاسفلت. ضغطت مليسا على مداس البنزين فانطلقت الهمر بجنون وهى ترشق المياه من أمامها ومن على جانبيها. رفعت مليسا يديها عن عجلة القيادة وعانقته حتى انحرفت السيارة وطاحت على حافة الطريق الاسمنتية .
هتفا بصدق نادر
- يعيش شوبيرت .
ولمحا ناحية اليسار عمالا فليبينين وباكستانيين وهنود يعملون في بناية شاهقة
- أ نظري انهم يبدون مثل القرود بأعالي الأشجار !
- هل تؤمن بما قاله شارلس دارون؟
- نعم نحن ضرب من القردة العليا !
هتفت
- فلتحيا القرود إذا كانت عظيمة هكذا !
قال
- وليسقط التاريخ !
رددت وراءه
- وليسقط التاريخ !
- ولكني أحبك !
- وانا احبك .
- وأحب أمريكا .
- عظيم.
- وأحب العراق .
- عظيم .
- وليمتلئ العالم بالقردة العظيمة .
- وليمتلئ العالم بالقردة العظيمة .
- يحيا دارون .
- يسقط دارون .
وسمعا صوت أوناش البناء ترتفع تشق في ثقة عنان الليل والسماء، انّهم يبنون في كل مكان ! انّهم يبنون الأبراج .
وصاحا معا ومن جديد
- فلتحيا دبي. فلتحيا دبي .
وقبلها وصاح
- ولتحيا دبابتنا الهمر تشق الليل شقا
ضحكت وهي تهتف تضرب مقود سيارتها القوية
- تحيا الهمر السوداء.
وضحكا ضحك طفلين معا، ومضت الهمر السوداء تصعد لا تلوي على أحد، وخرجا من شارع الشيخ زايد عند المخرج رقم خمسة وثلاثين، ثم دلفا من أول شارع يمينا داخلين الميديا سيتي. ومن مبنى فوربز العربية اتجها صوب دوار صغير. دارا حوله ثم انحرفا يسارا عند مبنى البي بي سي، ثم اوقفا الهمر امام احد المباني الجديدة. نزلا. ركضا تحت المطر ثم اجتازا البوابة الزجاجية وهبطا الدرجات السبع المفضية الى مقهى وبار الكهف.
وهتف منصور وهما يخطوان الى داخل الملهى المصمم على شكل كهف مطوّقا بيمينه خصر مليسا
- خوش عالم حيوا العروس وحيوا العريس
وصاحت مليسا
- لقد تزوجنا فجر اليوم وأنا أكاد أموت من الجوع
- وأشارت الى منصور وقالت ضاحكة
- زوجي لا يملك في حجرته ما يقيم الأود.
- والله لقد أشبعتها ما هو أهم .
كان طويلا مثلث الوجه اسود الشعر تتدلى على جبينه خصلة صغيرة. حاجباه معقودان وعيونه واسعة تشع بقلق كوني عميق. . أنفه ضخم طويل وشفتاه رقيقتان فوقهما شارب كث غليظ. اما ذقنه فكان قصيرا مدببا .
ورفع يديه في الهواء كانه قائد يحي الجماهير وردد
- خوش عالم. خوش كهوف .
ولوّحت مليسا بباطن كفها وهي تبتسم
- هاي افري بودي لقد تزوجنا فجر اليوم ! صدقوا !
وصاح هو
- نعم أحلى عروس وأحلى عريس .
وتعالت الأصوات من هاهنا ومن هاهناك
- مبروك
- مبروك
- مبروك مليسا ... مبروك منصور
وصاح صوت
- انتهي صراع الحضارات
- وحل الوئام
- وصاح منصور
- سننجب دستة من البنين والبنات وسيغيرون وجه التاريخ. صدقوا لقد اتفقنا .
- مبروك .
- مبروك .
وقبّلهما الاصدقاء قبلا لا حصر لها، وانطلقت الإبتسامات والإيماءات الخفيفة الحلوة، وتوالت الدعابات ثم اتجه الجميع صوب الكراسي بعد ان عمّت الفوضى مطعم الكهف الجميل. وأخذوا يتنفسون في لهاث وهم يتحلقون حول الطاولة الكبيرة تحت لوحة اشجار الأرز. جذبا كرسيين من الخيزران وجلسا وسط الضجيج والاصوات. وجاء النادل بأصناف الطعام وأصناف الشراب.
وهتف منصور
- أريد اكل باجة .. هاتوا باجة ..
وضرب على المائدة بعبث صبياني
- الحياة جميلة واني اريد سمك زبيدي وباجة وسمك قطّان مسكوف .
قال له الطبيب ذات يوم
- أنت مصاب بالقاوت.
صمت ثم أردف
- ثم ان نسبة حامض اليوريك لديك مرتفعة جدا ..
- نسبة ماذا ؟
- اليوريك آسيد عندك تسعة وسبعة من عشرة. يعني انت مصاب بالعربي بداء النقرس، داء الملوك. هل تاكل الكثير من اللحوم ؟
- الانسان حيوان كما تعلم .
وحدجه الدكتور بنظرة ذات معنى فاستدرك
- عفوا دكتور حيوان ناطق .
واختلجت نظارة الطبيب السميكة فوق أرنبة أنفه فأردف منصور بصوت ثقيل هادئ
- نعم ياسيدي هكذا علمونا في المدارس !
اهتز الطبيب العجوز وهو يزفر
- المدارس ..
وقال في نفسه تبا للطبيب وللعالم ! ما قيمة الحياة بدون باجة مع الشطة والليمون ! فليأكل الدهن، وليشرب النار، وليذهب العالم الى الشيطان اذا لم يحتفل العروسان فمن يحتفل ! ما أجمل الزواج ! ومليسا ماأجملها ! وأكل الجميع وشرب الجميع. وأطلت السياسة بوجهها الذي لا يغيب. أنهمك الأصدقاء في النقاش مع الطعام، لكن مليسا ومنصور كانا جائعين جدا فتفرغا للطعام والشراب وبهجتهما. ولما امتلأت العروق وذهب الجوع والظمأ سمعا صوت منذر عبد القادر الجزائري يهدر بلهجته الجزائرية وهو يلوح بيده كأنه يكمل حديثا ما انتهى
- في حمى الصراع السياسي اختلطت علينا الامور
قاطعه منصور
- الحياة جميلة يا منذر أنا عريس وأريد أن أطرب !
قالت مليسا
- بحق الجحيم ماذا يجري هنا؟ نحن عروسان !
لكن منذر الجزائري العصبي النحيل تجاهلهما ومضى يرغي ويهدر
- عندما قتل عثمان بن عفان رفض قاتلوه ان يدفن في مقابر المسلمين واعتدوا على الجثة حتى كسر ضلع منها ثم دفنوه في مقابر اليهود حتى خلافة معاوية. وقد مثل قتلة الحسين بن علي بجثته وهو سبط النبي! واخرجت جثة زيد بن علي زين العابدين بعد دفنها وصلبت امام الناس حتى تحللت. وعندما غلب العباسيون الأموين نبشوا قبور الخلفاء واخرجوا رفاتهم ليجلدوها بالسياط ! ودعا ابو العباس من بقى من الامويين الى قصره وامر بقتلهم اشر قتلة ثم فرش البسط على اجسادهم وبعضها لم تفارقه الحياة بعد ومد السماط وجلس ياكل هو واعوانه ثم قال بعد ان شبع انه لم ياكل اشهى ولا الذ من ذاك الطعام !
وصاح منصور مشيرا بسبابته الى مليسا
- يا سادة الحديث منذ الآن بالانجليزية. امريكان انجلش
وقال صادق الاماراتي المتحمس
- نحن نبني دولة، نحن نسير بخطى واثقة، العولمة ليست كلها شر .
قال منذر الجزائري
- رأسمالية الحداثة القائمة فعلا هي نظام للظلم والقهر والاستغلال
قاطعه صادق
- انك تتكلم كلام الشيوعيين، وقد انتهت الشيوعية ! راحت سقطت
انفعل منذر وقد اضاءت عيناه بشرر قديم
- من الخطأ معاملة التجربة الشيوعية التي آمن بها اكثر من ثلث البشرية كظاهرة عابرة، أو فقاعة امتلأت ثم انفقعت وانتهت ! ملايين البشر ثاروا وناضلوا وعملوا من أجل حياة حرة كريمة .
قاطعه صادق
- مهلا .. مهلا .
- لا دعني اكمل، النظام العالمي الحالي لا يطاق، واذا لم تعالج قضايا التنمية الدولية واذا لم ينتهي الظلم والاستغلال ...
استهجن صادق مقاطعا
- الله الله ..
لكن منذر مضى لا يلوي على أحد
- اذا لم يتعلم النظام العالمي الجديد اذا لم تتعلم الراسمالية الحداثية، فانها ستولد مذاهبا وافكارا اشد خطرا من الشيوعية
قال صادق
- ماله يا اخي النظام الجديد؟ ارتفع حجم الأموال المتداولة يوميا في سوق العملالت من مائة وتسعين بليون دولار يوميا الى قرابة الأثنين ترليون ! وازدادت الاستثمارات المباشرة في الاقتصادات الناشئة من خمسين بليون دولار الى مئتى بليون دولار، واندمجت مناطق جديدة في آليات السوق الجديدة
صاح منذر
- بل اخضعت لها
- اصبر يا منذر اصبر
- على ماذا ؟
- على التكنولجيا الحدثية التى تستفيد منها انت والالاف بل الملايين
- ماذا ؟
- الا تستخدم الإتصالات الفضائية والإنترنت؟ انها العولمة، انها الحداثة
وصاح منذر وهو يرفع قبضته في الهواء
- والجماعات الاسلامية التى ولدتموها لنا في الجزائر وفي كل مكان ! ان حداثتكم هي ارتداد للتاريخ بحيث اصبح القتل عندنا بالاسلحة البيضاء. الا تتابع الذبح والسحل وكل قذارة التاريخ القديم؟ ثم إن الغرب الجديد اعتقد أنه مباح له تحديد مكانة الآخرين والحكم عليهم لصالح تاريخه وغاياته ..
وتدخل عزت عبد الرحمن المصري وهو يبعد مبسم الارجيلة الابنوسي عن فمه، وينفث تبغ المعسّل المحلّى بنكهة الفراولة.
- كل البلاوي الزرقاء جاءت من عندنا .
سأله كريس الصحفي الامريكي الذي يجيد العربية
- لماذا تخلط الالأشياء؟
أجاب عزّت مندهشا
- أخلط الأشياء؟ التاريخ يقول ذلك !
- لا يجوز. لا يمكن. مصر تختلف .
صاح منصور كرة اخرى
- امريكان انجلش بليس
غمغم كريس وهو يرطب طرف شفتيه بلسانه
- اوكي. اوكي. كنت اقول ان مصر تختلف
ضحك عزّت القصير القامة المستدير الوجه
- مين قال لك يابطل
قال كريس باهتمام
- كيف ؟
قال عزّت عبد الرحمن
- الحكومة الدينية بدأت في مصر القديمة حين كان الفرعون يعتبر نفسه تجليا للاله
قاطعه منذر
- لكن الذي يحدث عندنا فظيع ! تصوّر في الجزائر الإنسان يذبح أخاه الإنسان ! وبالسكين ؟
قال صادق
- حقا فظيع
وقال كريس
- ما يحدث في الجزائر أمر مختلف وله خصوصيته
قال منذر
- لا. الجزائر جزء من المنطقة !
وتدخل منصور
- عندما تجهض التجارب الديمقراطية تحدث الكوارث
وسأل منذر بغضب
- وعندما يصبح الحاكم مقدّسا؟ و..
فقاطعه عزت عبد الرحمن المصري يلتقط الخيط
- في مصر القديمة الحاكم كان مقدّسا. نعم، ومن ثم لم يكن مسؤولا امام الناس. وكان يعتبر معصوما في قوله وفعله ولا يستطيع اى فرد من الرعية او الحاشية او الأعوان او حتى الكهنة ان يسأله عن اى شيئ.
غمغم منذر
- كانت أحكامه هي أحكام الله ! وأفعاله هي أعمال الله ! واقواله هي كلمات الله ! والآن حتى المليشيات أصبحت مقدّسة !
قال عزت
- نعم بالمعنى الحرفي .حضارتنا تركت اثرا منها في كل مكان.ففي اقصى الشرق في اليابان يعتبر الامبراطور سليلا لاله الشمس وتجسيدا له ! وهذه هى نفس الفكرة المصرية القديمة عن الفراعين وخاصة ابناء رع اله الشمس .
............
* * * * *


تعليقات
إرسال تعليق